ابن قيم الجوزية
85
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فأخبر أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم ، ثم ذكر أوصاف المتقين فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر والشدة والرخاء فإن من الناس من يبذل في حال اليسر والرخاء ولا يبذل في حال العسر والشدة ثم ذكر كف أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم وحبس الانتقام بالعفو . ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم وأنها إذا صدرت منهم قابلوها بذكر اللّه والتوبة والاستغفار وترك الإضرار فهذا حالهم مع اللّه وذاك حالهم مع خلقه . وقال تعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فأخبر تعالى أنه أعدها للمهاجرين والأنصار وأتباعهم بإحسان فلا مطمع لمن خرج عن طريقتهم فيها . وقال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فوصفهم بإقامة حقه باطنا وظاهرا وبأداء حق عباده . وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ( لما كان يوم حنين أقبل نفر من صحابة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون » قال فخرجت فناديت إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ) وللبخاري معناه . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بلالا ينادي في الناس : « أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة » وفي بعض طرقه مؤمنة ، وفي الحديث قصة . وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ذات يوم في خطبته : « ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني من يومي هذا . كل مال نحلته عبدا حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، وإن اللّه نظر إلى